المنجي بوسنينة
97
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
قوله : « وهكذا جلست عدة أيام في الجاضع ، وحافظ يأخذ الدروس ، وإن فاته شيء نقله من زملائه ، فهو على اسمه : حافظ يحفظ بقلبه ، وخطه ، والطلبة الكبار كانوا يراجعونه في كل ما يشكل عليهم في المعنى والكتابة ، لأني كنت أملي عليهم إملاء ثم أشرحه لهم » . وقد صدقت فراسة الشيخ القرعاوي في نباهة تلميذه ، الذي كان لا يرغب في مفارقة قريته ، إرضاء لوالديه ، عندما وصلته رسالة من التلميذ حافظ ، ذات خط جميل يطلب فيها من الشيخ القدوم إلى قرية الجاضع ، مع بعض تلاميذه وقد صدّر الرسالة بهذين البيتين : إن الذي رقم الكتب بكفّه * يقري السلام على الذي يقراه وعلى الذي يقراه ألف تحية * مقرونة بالمسك حين تراه ثم يطلب منه إعارته كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب . وبعد إجابة الدعوة والانتجاع إلى الجاضع ، وجد الشيخ تلميذه مثلما ظن أو أكثر ، فأجلسه بجانبه ، وأولاه عناية خاصة ، حيث تمّ اللقاء يوم الخميس 11 / 8 / 1359 ه ، فكان درس الشيخ في هذه القرية يبدأ من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العشاء بقية شهر شعبان . وقد لحق التلميذ حافظ بشيخه في سامطة واستقر بها منذ عام 1360 ه ، فوجد في كنف الشيخ القرعاوي ، وفي مكتبته بغيته ، وقرأ متون العلم المختلفة في أمهات الكتب المعتبرة ، ومع القراءة كان يتناقش مع شيخه عما يشكل وفي عويص المسائل . إن منهج السلف في حلقات العلم أسلم وأعم فائدة ، وهو ما سار عليه تعليم الشيخ القرعاوي ، وقد أخذه من مشايخه في الهند وفي الرياض ، وهذا ما ظهرت آثاره في الشيخ حافظ ، الذي قلب معايير ومقاييس التربويين الذين رسموها للمدارس النظامية ، مادة وزمنا . فإن الطالب حافظا الحكمي قد برز بروزا فائقا خلال عشر سنوات ، ونبغ في المعارف التي أخذها عن شيخه ، بل زاد عليها بما ناله من علوم ومعارف نتيجة الرغبة الملحة وسعة الاطلاع والاستيعاب لما يقع عليه نظره . فكانت بداية اللقاء العلمي بين الشيخ وتلميذه ، وبداية تحقيق ما يميل إليه الطالب حافظ في العلم والجلوس له ، ومن ثم أخذه من مصادره ، حيث التقى الحلم بالواقع ، فكانت الفترة الزمنية في آخر شعبان من عام 1359 ه ، في قرية الجاضع ، تعتبر حلما تحقق للطالب ، وما حصل له فيها من عناية الشيخ بتلميذه ، حيث جعل هذا اللقاء حافظا في عين شيخه قمة في الذكاء ، وأنزله منزلة النابهين . وهذا ما دفع الشيخ عندما قرب رحيله ، لأن يطلب من والدي حافظ أن يرسلاه معه إلى سامطة ليطلب العلم ، على أن يجعل لهما من يرعى غنمهما بدلا منه ، لكنهما رفضا طلب الشيخ أول الأمر ، وأصرّا أن يبقى ابنهما الصغير حافظ في خدمتهما لحاجتهما الكبيرة إليه . يقول أحمد بن حافظ : وشاءت إرادة الله أن لا تطول حياة والدته بعد ذلك ، إذ توفّيت في شهر رجب عام 1360 ه فسمح له والده أن يذهب مع أخيه محمد إلى الشيخ القرعاوي ، في سامطة لمدة يومين أو ثلاثة في الأسبوع ، ثم يعودان إليه .